عمان في عهد الدولة العباسية

  1. ولاية جناح بن عبادة :

عندما صارت الخلافة للعباسيين, عين أبو العباس السفاح أخاه أبا جعفر المنصور واليا على العراق, وعين أبو جعفر جناح بن عبادة الهنائي واليا على عمان, ثم عزله, وعين ولده محمد بن جناح بدلا منه حتى اجتمع العمانيون على تنصيب الجلندي بن مسعود إماما على عمان.

  1. إمامة الإمام الجلندي بن مسعود (132 - 134عام هجري)

في عهد الإمام الجلندي بن مسعود جاء الى عمان شيبان الخارجي, إمام الصفرية هربا من بطش العباسيين وملاحقتهم له, وذلك في عهد الخليفة أبي العباس الذي أخذ على عاتقه مطاردة أصحاب مذاهب الصفرية والقضاء عليهم. وعندما وصل شيبان واصحابه الى عمان أرسل اليهم الامام الجلندي, جيشا بقيادة هلال بن عطية ويحيى بن نجيح والتقى الطرفان في جلفار "رأس الخيمة" وقد أسفرت المعركة عن قتل شيبان وجميع أصحابه وذلك في عام 134الهجري.

وفي نفس العام أرسل أبو العباس جيشا لملاحقة شيبان وأصحابه وكان هذا الجيش بقيادة خازم بن خزيمة الذي ركب البحر وسار من البصرة باتجاه عمان ونزلت قواته في جلفار, ومن هناك أخذ يسأل عن شيبان ورجاله ويستقصي أخبارهم فعلم أخيرا أنهم قتلوا على أيدي رجال الامام الجلندي.

وعندما علم خازم بن خزيمة أن أهل عمان قد قضوا على شيبان ومن معه, أرسل الى الإمام الجلندي بن مسعود طالبا منه حق الاعتراف والطاعة للخلافة العباسية, غير أن الإمام ومن ورائه أهل عمان, رفضوا طلبه رفضا قاطعا. وأمام إصرار العمانيين أعلن خازم بن خزيمة الحرب, وهنا تحرك الإمام الجلندي بن مسعود وقاد جيشه بنفسه وعدد من علماء عمان الأفاضل, والتقى الطرفان في جلفار, وهناك أبلى العمانيون بلاء حسنا وصمدوا في المعركة - غير المتكافئة - حتى استشهد الامام ومعه العالم الجليل هلال بن عطية, وذلك عام 134هجري.

  1. امامة الامام الوارث بن كعب الخروصي (179 - 192هجري)

أما الإمام الوارث فقد انتخب عام 179هجري, وكان صالحا وعادلا, وفي عهده أرسل هارون الرشيد جيشا مكونا من ستة آلاف مقاتل بقيادة ابن عمه عيسى بن جعفر, وبعد أن تم تجهيز الأسطول العباسي أبحر القائد بأسطوله من ميناء البصرة الى سواحل عمان, وبالقرب من صحار, رست سفن الأسطول العباسي, ونزل القائد عيسى بن جعفر الى البر, فما كان من والي صحار مقارش بن محمد اليحمدي, الا الاستعداد لمواجهته وقتاله, وزوده الإمام الوارث بثلاثة آلاف مقاتل التقوا بالقوات العباسية بوادي حتى قرب صحار ودارت معركة عنيفة كان النصر فيها لأهل عمان, وفر عيسى بن جعفر بمن بقي معه من قواته و ركب البحر عائدا من حيث أتى, ولكن العمانيين أرادوا أن يعطوه درسا قاسيا عبرة لغيره, فلحقوا به في عرض البحر و أسروه وعادوا به الى صحار.

وضع الوالي مقارش بن محمد, القائد العباسي عيسى بن جعفر في السجن في الوقت الذي كان فيه الإمام الوارث يقود جيشا لنصرة الوالي, وعندما علم الامام الوارث بما حققه العمانيون من نصر حمد الله وقفل راجعا الى عاصمته نزوى وفرح العمانيون فرحا عظيما بهذا النصر الذي أنهى وجود العباسيين في عمان.

وعندما علم هارون الرشيد بالهزيمة المنكرة التي لحقت بقواته على أيدي العمانيين جن جنونه وصمم على الانتقام وراح يعد العدة, ولكن المنية أدركته دون تحقيق ذلك.

  1. إمامة الإمام غسان بن عبدالله الخروصي (192 - 207هجري)

بعد وفاة الإمام الوارث بن كعب بويع غسان بن عبدالله إماما للمسلمين وأقام الحق وضرب أروع الأمثلة في العدل و ازدهرت عمان في عهده ازدهارا عظيما وكثر الخصب بها و أنشا أسطولا بحريا استطاع أن يقضي على القراصنة الهنود الذين كانوا يغزون الشواطىء العمانية للسرقة والنهب, والإمام غسان هو أول من انشأ أسطولا بحريا في عمان في العصر الإسلامي وفي عهده سميت نزوى " بيضة الاسلام" نظرا لتواجد جمع غفير من العلماء بها وبجانب كونها عاصمة الإمامة.

  1. إمامة الإمام عبدالملك بن حميد (207 - 226هجرية)

اجتمع العمانيون على تنصيب الإمام عبدالملك بن حميد, فسار في الرعية سيرة السلف الصالح, وأقام الحق, ونصرة الدين, وأخمد الباطل, و أصبحت عمان في عهده تنعم بالرخاء ورغد العيش, وكثرت بها التجارة وانتشرت فيها الزراعة. وقد حاولت بعض القبائل نزع يد الطاعة عن الإمام و دارت بينه وبينهم معارك استطاع الإمام إخضاعهم والقضاء على تمردهم وعاش حتى ضعف بصره وثقل سمعه وتقدم به العمر. غير أن العلماء المسلمين رأوا فيه الشخصية العظيمة للقيام بالإمامة رغم كبر سنه حتى توفاه الله عام 226هجري.

  1. إمامة الإمام المهنا بن جيفر الخروصي (226 - 237هجرية)

تم تنصيب الإمام المهنا بن جيفر, وأصبحت لعمان في عصره اكبر قوة عسكرية ضاربة في البر والبحر, حيث بلغ عدد الجنود الذين كانوا معه في نزوى فقط عشرة آلاف مقاتل, بالإضافة الى آلاف آخرين في الولايات الرئيسية. كما كان هناك المتطوعون أثناء الحروب, وأصبحت لديه إسطبلات تضم آلاف الخيول. وكان الأسطول العماني يتكون من ثلاثمائة سفينة حربية على أهبة الاستعداد للقتال وقد اتصف الإمام المهنا رحمه الله بالهيبة والحزم في أمور الدولة وقد ثار بنو الجلندي في عهده بزعامة المغيرة بن روشن الجلندي, فشتت شملهم وقضى على ثورتهم وقد توفي عام 237هجرية.

  1. إمامة الإمام الصلت بن مالك الخروصي (237 - 272هجرية)

انتخب العمانيون الصلت بن مالك إماما بعد الإمام المهنا, فأظهر الحق, وأقام العدل, وتمسك بسيرة من سبقه من الأئمة العادلين. وفي أيامه اعتدت الحبشة على جزيرة سوقطرة وكانت تابعة لعمان فقتلوا والي الإمام وبعض المسلمين الذين كانوا معه, وعاثوا بها فسادا, فكتبت امرأة من سوقطرة تسمى " الزهراء" الى الإمام تخبره عما وقع بسوقطرة و تستنجده على إنقاذها من أيدي الأحباش الصليبيين الذين أخذوا يقتلون المسلمين وينهبون أموالهم ويفعلون بنسائهم فقالت :

قل للامام الذي ترجى فضائله ابن الكرام وابن السادة النجب
أمست سقطرى من الاسلام مقفرة بعد الشرائع والفرقان والكتب
ما بال صلت ينام الليل مغتبطا وفي سقطرى حريم بادها النهب

فجهز الإمام أسطولا يتكون من مائة سفينة سارت الى سوقطرة, وأخذها من أيدي الأحباش. وبقي الإمام الصلت في الإمامة 35 عاما ثم كبرت سنة وضعفت صحته فطلب منه بعض العلماء أن يتنازل عن الإمامة فتنازل عنها.

  1. إمامة الإمام عزان بن تميم الخروصي (277 - 280هجرية)

في عهد الإمام عزان بن تميم أرسل الخليفة العباسي ( المعتضد) جيشا الى عمان بقيادة عامله على البحرين محمد بن نور الذي أطلق عليه أهل عمان ( محمد بن بور) لفساده, خرج ابن بور بجيشه الجرار حتى وصل جلفار وتمكن من الاستيلاء عليها, ثم استمر نحو الجنوب واستولى على كل قرية ومدينة عمانية حاولت أن تعترضه حتى وصل مدينة نزوى, وهنا دارت معركة بينه وبين الامام عزان الذي وجد نفسه أمام جيش يصعب الصمود أمامه, فترك دار الإمامة بنزوى, وتوجه الى سمد الشان, فلحق به الجيش العباسي واشتد القتال بين الطرفين الى أن سقط الإمام عزان شهيدا, ثم عاد ابن بور الى مدينة نزوى بعد أن قتل العديد من أهل عمان وأخذ يحكم البلاد بيد من حديد وبقلب لا يعرف الشفقة ولا الرحمة.

عندما شعر العمانيون بوطأ الحكم العباسي عادوا من جديد و وحدوا صفوفهم عندما أرسل الأهيف بن حمحام الهنائي الى شيوخ عمان يدعوهم الى توحيد الصفوف وتعبئة رجالهم لطرد هذا الطاغية, فوافقه أهل عمان وجاءت الجموع من كل صوب حتى أصبح لدى الأهيف بن حمحام جيش استطاع به أن يلقن ابن بور درسا قاسيا, غير أن ابن بور لما علم بتلك الاستعدادات وبذلك الزحف خرج من فوره هاربا من مندينة نزوى باتجاه البحر, يريد العودة الى البحرين, وعندما علم القائد العماني الأهيف بن حمحام بذلك طلب من جنده التريث وتركه يعود من حيث أتى حفاظا منه على أرواح جنوده, غير أن الحمية الوطنية أبت ذلك فأسرع رجال الأهيف ولحقوا بابن بور في مدينة (دما) قرب السيب الحالية, وهناك دارت معركة رهيبة وكاد النصر يكون بجانب العمانيين ولكن شاءت الأقدار أن يستشهد الأهيف وأن ينتصر ابن بور وذلك عام 280هجري.

عاد ابن بور الى نزوى من جديد وقلبه مليء بالحقد والكراهية وبدا مجازره الوحشية فقتل الرجال ودمر الأفلاج وأحرق الكتب القيمة ونستطيع أن نقول بأن ما فعله شبيه بما فعله هولاكو المغولي ببغداد عام 656هجري. بعد أن تشفى ابن بور من أهل عمان خاف على حياته فعين واليين أحدهما على ( نزوى) والآخر على ( بهلاء) وعاد الى البحرين, وقبل أن يصل البحرين ثار أهل عمان وقتلوا الواليين وأنهوا بذلك الوجود العباسي في عمان.

بعد أن تخلص العمانيون من ولاة ابن بور, أعادوا انتخاب أئمتهم الذين خاضوا صراعا مع بني سامة المسيطرين على أجزاء من عمان. وفي عام 320هجري بويع الإمام سعيد بن عبدالله بن محمد القرشي لعلمه وصلاحه. وفي عام 342هجري تعرضت البلاد لغزو بني بويه ( أصحاب السلطة في الدولة العباسية) الذين أرادوا مد نفوذهم الى عمان في وقت كان على رأس الإمامة راشد بن الوليد الكندي وتمكنوا من احتلال صحار 363هجري. وانقطعت الإمامة لفترة.

وفي عام 407هجري تمت البيعة للإمام الجليل بن شاذان الصلت الذي استطاع نشر الأمن بين رعيته لعدله. وأرسل مساعدة لإمام حضرموت من الرجال والمال حينما استنجد به ضد الخارجين على ملكه وفي أواخر عهده تعرضت البلاد لهجوم من قبل الترك ( جند بني العباس) 425هجري و وقع في الأسر ثم أطلق سراحه. وبعد وفاته بويع عدد من الأئمة الذين اقتصرت أعمالهم على إخماد الفتن الداخلية كان أخرهم محمد بن خنبش الذي انتقل الحكم من بعده الى بني نبهان.

____________________________________________________________________________________

bullet

 مصدر من وزارة التربية والتعليم, الدراسات الاجتماعية" التاريخ", المرحلة الإعدادية, الطبعة التاسعة 1997م.

_____________________________________________________________________________________

 

الصفحة الرئيسية | العصر الجاهلي | الحضارات الاسلامية | اللغة الأردية | حول الموقع | أرسل الينا

© 2006 الحضارات الإسلامية في الهند